مقدمة:
                 ان تاريخ تطور النقود مر عبر العصر بعدة مراحل، انطلاقا من المبادلات التجارية التي كانت تعتمد على مقايضة سلعة بأخرى، و نظرا لكون عاملي الندرة في السلع من فترة لأخرى و من سنة لأخرى، و نظرا لتطور المجتمعات و الشعوب ظهرت الرغبة في تقييم السلع التي اصبحت متعددة و متنوعة من سلع فلاحية و صناعية، كل هذا ادى الى بداية التعامل بالقطع الذهبية نظرا لندرة هذا المعدن في الطبيعة مقارنة بالحديد، فصنعت السبائك الذهبية و القطع الذهبية و بدا التعامل بها في التجارة و المبادلات التجارية، حتى تطور الامر و اصبحت السبائك الذهبية لا تكفي حجم المبادلات المتزايدة مع التطورات الصناعية الحاصلة، و تم ابتكار النقود التي هي عبارة عن قطع معدنية او اوراق مالية تعتبر كسندات تمثل وزن محدد من الذهب في بلد من البلدان، حيث يتم حساب قيمع عملة كل بلد بالاعتماد على ما ينتجه هذا البلد و بالاعتماد على الناتج القومي المحلي للبلد، و لأن بعض البلدان لا تتوفر على الامكاننيات البشرية و الطبيعية، معدل الاتناج في البلد لا يمثل حجم النقود المتداولة فعلا واجهتها مشكلة تتمثل في كثرة النقود المتداولة في الدولة بالمقارنة مع الدخل الفردى الحقيقي ، و هذا الفارق يؤدي الى نقصان من قيمة العملة و هو ما يطلق عليه اسم التضخم.
مفهوم التضخم
              لا يوجد مفهوم موحد لظاهرة التضخم و من بين مظاهر التضخم نجد: التضخم بالأسعار(أي الارتفاع في المستوى العام للأسعار)، التضخم النقدي (كثرة الارصدة النقدية)، التضخم بالمداخيل (ارتفاع المداخل النقدية)، و ييعرفه الكلاسيك في المجال النقدي بالارتفاع المستمر للأسعار هو نتيجة للزيادة في كمية النقود وزيادة الائتمان المصرفي (او يمكن تعريفة بالارتفاع في المستوى العام للأسعار الناتج عن وجود فجوة بين السلع الحاضرة وحجم المداخيل المتاحة للإنفاق)
الاجراءات النقدية لضبط التضخم :
من اهم الاجراءات لضبط التضخم نجد السياسة النقدية التي تعتبر من أهم و أقدم السياسات الإقتصادية للبلدان الرأسمالية، حيث تبحث في تنظيم عرض النقود قصد التحكم في معدل التضخم
مفهوم السياسة النقدية :
هي احسن إستراتيجية التي تنتهجها السلطات النقدية من أجل توجيه مسار الإقتصادية نحو تحقيق النمو الإقتصادي، حيث تقوم السلطة النقدية باتباع مجموعة من القواعد و الأساليب و الإجراءات و التدابير و استعمال الوسائل التي تقوم بالتأثير في عرض النقود بما يتلائم مع النشاط الإقتصادي للدولة بهدف  تحقيق سياسة إقتصادية معينة خلال مدة  زمنية معينة.


التحليل نظرية للتضخم

ان ظاهرة التضخم ظاهرة عالمية، فهي تمس البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة على اختلاف أنظمتها ، لهذا كان من الظروري تحليل لهذه الظاهرة، فظهرت دراسات في نظرية كينز، النظرية الكمية للنقود و في النظرية المعاصرة لكمية النقود.

التضخم في النظرية الكمية للنقود

ظهرت النظرية الكمية للنقود نتيجة لتحديد العلاقة بين كمية النقود المتداولة والمستوى العام للأسعار (حيث أن التغير في كمية النقود بالزيادة او النقصان يؤدي إلى التغير في الأسعار بنفس النسبة، مع افتراض ثبات العوامل الاخرى)
 قامت هذه النظرية على الفرائض التالية: كمية النقود هي التي تحدد قوتها الشرائية، ثبات حجم المبادلات، ثبات سرعة تداول النقود،

في المدى القصيرفان زيادة كمية النقود تؤدي إلى ارتفاع مستوى التشغيل، اما في المدى الطويل فان التشغيل سيصل الى خده الاعلى كلما زادت كمية النقود بمعدل اكبر من معدل زيادة الناتج القومي .


التضخم في نظرية كينز

ففي اقتصاد يتميز بمعدل قريب من مستوى التشغيل التام فان إمكانية الزيادة في الإنتاج محدودة و منه  تكون الزيادة في الطلب الإجمالي مؤثرا أساسا على الأسعار، اما في حالة البطالة فيمكن للإنتاج أن يرتفع بصورة ملحوظة قبل أن تبدأ الأسعار في الارتفاع.

أي سياسة نقدية توسعية تؤدي إلى تضخم نسبي يرتبط بحالة الاقتصاد الوطني، مثال:

رفع السلطات من حجم الكتلة النقدية و تكون البطالة مرتفعة مع عدم استعمال كامل الامكانيات المتاحة، فان التضخم الناتج عن هذه العملية سيكون ضعيف أما إذا رفعت السلطات حجم الكتلة النقدية خلال فترة التشغيل التام فان نتيجة هذا القرار ستؤدي الى التضخم.



النظرية المعاصرة لكمية النقود

يعتبر فريدمان من رواد المدرسة النقدية، و حسبه فان الاختلالات في الكتلة النقدية تكون في المدى القصير و المدى الطويل


بالنسبة لي فريدمان عند تفسيره لمعادلة التبادل لفيشر الشيء المهم بالنسبة إليه ليس العلاقة بين الكتلة النقدية ومستوى الأسعار مع القبول لان التغير في الكتلة النقدية لا يقود إلى تغيرات في مستوى الأسعار فحسب، فسر فريدمان معادلة فيشر للنقود بالتغيرات الاقتصادية، و ميكانيزم تحققه عند فريدمان يرتبط بعاملين هما: العوامل المحددة للطلب على النقود والعوامل المحدد لعرض النقود والتي بتقاطع منحنياتها يمكن معرفة قيمة النقود.


أسباب التضخم

من اسباب ظاهرة التضخم نجد :

 
زيادة الطلب الكلي

ان تفسير ظاهرة التضخم يبين زيادة الطلب على العرض في النقود عند مستوى معين من الأسعار، و وفقا لقانون العرض و الطلب يتحدد السعر عند تقاطع منحنى الطلب على النقود مع منحنى عرضها، ومن هذه القاعدة البسيطة يمكن تعميمها على مجموعة أسواق السلع والخدمات التي يتعامل بها المجتمع، حيث كلما كامت زاد الطلب على السلعة يرتفع سعرها، و كلما زاد الطلب على النقود دون ما يزداد عرض السلع فان التضخم يرتفع.


انخفاض العرض الكلي

ان سبب نقص العرص على النقود نجد نقص الانتاجية في الدولة و التي من اسبابها: عدم تحقيق الاستخدام الكامل للموارد الموجودة في الاقتصاد،. و نقص  العناصر الإنتاجية (كالعمال والموظفين المختصين وكذا المواد الخام والمواد الأولية)،  عدم مرونة الجهاز الإنتاجي مما يؤدي الى عدم تلبية الطلب المتزايد، و كذا النقص في راس المال العيني يباعد بين النقد المتداول والمعروض.


أنواع التضخم

1-   حسب حدة التضخم نجد:
 التضخم الزاحف( التدريجي:إذا كان الارتفاع في الأسعار بطيئا وفي حدود 2% سنويا مما يؤدي الى ارتفاع الأسعار على المدى الطويل نسبيا وهذا النوع من التضخم يتقبله الأفراد لأنه يأتي بدفعات صغيرة وبالتالي يجعل التضخم أمر عاديا
 التضخم العنيف( الماشي): تزداد حدة التضخم الزاحف في حدود 5% سنويا مما يؤدى الى زيادة في الاسعار
 
التضخم الجامح( المفرط):هذا التضخم ضار جدا للقتصاد الوطني لانه يجعد النقود تفقد قيمتها، و بهذا يتدهور ميزان المدفوعات للبلاد اذا لم يكن لديها مخزون من الذهب، و يرجع هذا الى الزيادة في الاجور التي لا تقابلها زيادة في الناتج القومي، ضخ النقود في الاقتصاد من دون ارصدة ذهبية احتياطية،

 التضخم الراكد: يحدث عندما يكون الارتفاع اكبر بكثير من 10% مثل حالات التضخم

2- حسب قدرة الدولة على التحكم في الأسعار

التضخم المكبوت( الكامن): هو الذي تتدخل الدولة في تسيير حركة الاسعار عن طريق مجموعة من الإجراءات مثل: الرقابة على الصرف وتحقيق فائض في الميزانية، ونظام البيع بالبطاقات
 
التضخم المكشوف( المفتوح): ترتفع الاسعار نتيجة زيادة الطلب على السلع و الخدمات و تكاليف الاتناج، و زيادة الكتلة النقدية.

3- حسب أساس التوازن بين كمية النقود وكمية الإنتاج:
التضخم الطلبي: وهو ارتفاع الأسعار بسبب زيادة الطلب على العرض أي بسبب زيادة الدخل النقدي لدى الأفراد و يؤدي إلى تضخم الأجور، تضخم الإرباح، وهذه الزيادة لا تقابلها زيادة في الإنتاج.
التضخم الناشئ عن التكلفة: والمقصود هنا زيادة أثمان الخدمات عوامل الإنتاج بنسبة اكبر من إنتاجياتهم الحدي، مما يؤدي إلى الارتفاع في الأسعار.
التضخم الركودي: لما تتدهور معدلات النمو وتزداد معدلات البطالة و يحدث عجز متكرر في الميزان التجاري و المدفوعات يؤدي الى عدم استقرار في قيمة العملات ،هذا هو التضخم الركودي ذو نتائج سلبية.
التضخم المستورد: لما ترتفع التكاليف(أسعار المواد الأولية والمواد البسيطة ومواد التجهيز أو المواد الاستهلاكية)، و السيولة (ارتفاع العملة الصعبة يؤدي الى ارتفاع الاسعار) و الدخل (لما يرتفع الدخل الوطني الاجمالي يؤدي الى ارتفاع الاسعار)
التضخم بالإرباح: ان الارباح في اقتصاد يمتاز بالتضخم تؤدي الى زيادة السيولة النقدية و لو بهوامش صغيرة، لان قيمة النقود منخفضة و بالتالي تأثر على الاجور التي يتقاضاها العمال و منه نقص القدرة الشرائية في الاقتصاد فترتفع الاسعار.


أثار التضخم
يؤثر التضخم على  الجانب الاقتصادي و الاجتماعي:

الأثر على توزيع الدخل: يؤثر التضخم في توزيع المداخيل على الفئات الضعيفة من المجتمع خاصة اصحاب المداخيل الثابتة لان الاسعار سترتفع.

 
اثر التضخم على الأشخاص الاقتصاديين: البنوك هم أول من يعاني من التضخم كونهم يحصلون على قروضهم متمثلة كقوة شرائية اقل مما أعطيت أما المقترضون هم المستفيدون الأوائل من التضخم لأنهم يسددون القروض بالقيمة الاسمية والتي تقل عن القيمة الحقيقية وقت الاقتراض.
اثر إعادة توزيع الثروة: أصحاب الثروة ممن يملكون الأراضي، العقارات أو الأوراق المالية وغيرها من الأصول المالية سيستفيدون منها نظرا لارتفاع اسعارها اثناء فترات التضخم.
الأثر على الإنتاج وميزان المدفوعات:   يترتب على التضخم زيادة في الأسعار والأجور لصالح الصناعات الاستهلاكية على حساب الصناعات الأساسية الثقيلة، و قد يتشاءم رجال الاعمال من هذا مما يؤدي الى تقليص النشاط و منه زيادة البطالة و عليه سينكمش الاقتصاد، و هذا يؤدي الى نقص الصادرات و منه سيؤثر على ميزان المدفوعات و ترتفع اسعار السلع المحلية.
الأثر على الادخار والاستثمار والاستهلاك: انخفاض الدخل الحقيقي نتيجة التضخم يؤدي الى انخفاض الادخار و زيادة الاستهلاك، ترتفع الاسعار و تنخفظ الاستثمارات نظرا لعدم كفاية التمويل اللزمة لها،


سياسات علاج التضخم: علاج التضخم يكون على المدى البعيد باستعمال سياسات اقتصادية فعالة، كالسياسات المالية و النقدية.
السياسة المالية:
تفترض السياسة المالية في تحليلها للتضخم الى ان ارتفاع الأسعار راجع إلى ارتفاع الطلب الكلي عن العرض الكلي و منه تخفض من الطلب الكلي بالتاثير على الاستهلاك و الاستثمار.

السياسة النقدية: تتبع الإجراءات التي تساهم في المحافظة على قيمة النقود والقدرة الشرائية، حيث تؤثر على عرض النقود لخلق التوسع و الانكماش، قصد تنشيط الاستثمار و زيادة الانتاج.
 
الأدوات المباشرة للسياسة النقدية: ونذكر منها:
 
سياسة إعادة الخصم: فهي عبارة عن سعر الفائدة الذي يتقاضاه البنك المركزي مقابل إعادة خصم الأوراق التجارية، فإذا أراد البنك المركزي تقليل كمية الائتمان يرفع معدل إعادة الخصم مما سيؤثر سلبا على قدرة المصارف على منح الائتمان.
سياسة السوق المفتوحة: يقصد بسياسة السوق المفتوحة قيام البنك المركزي بيع وشراء الأوراق المالية وتسويقها قصد الزيادة أو التخفيض من كمية النقود المتاحة في السوق ، وبالتالي التقليل من التضخم وهذا حسب الأوضاع الاقتصادية. فعندما يريد البنك المركزي الحد من الائتمان فانه يبيع الأوراق المالية فيسدد مشتروها ثمنها من حسباتهم فتقل احتياطيات المصارف، وتقل قدرتها بالتالي على منح الائتمان.
سياسة الاحتياطات الإجبارية: وفق سياسة الاحتياطي الإجباري يلزم كل بنك تجاري بوضع جزء أو نسبة معينة من أصوله النقدية وودائعه في شكل رصيد دائم في البنك المركزي، ففي أوقات التضخم وعن طريق رفع نسبة الاحتياطي من طرف البنك المركز تضطر البنوك التجارية إلى تخفيف الفائض في الأرصدة النقدية لتغطية الزيادة في الاحتياط النقدي سيضطر تقيد منح الائتمان.
 الأدوات الغير مباشرة للسياسة النقدية: تتمثل الأدوات الغير مباشرة فيما يلي:
مراقبة التغيرات التقنية للنقود: يقوم البنك المركزي بمراقبة التغيرات الحاصلة في القروض المقدمة من قبل البنوك ومراقبة الكتلة النقدية و كذا القاعدة النقدية، وسعر الصرف من اجل تحقيق توازن ميزان المدفوعات، فيجب أن تتعادل العملة بقدر يحقق التوازن ولا يلحق خسائر أو مداخل غير مبررة لاحتياطات الصرف.
أسلوب الإقناع الأدبي: للبنك المركزي قدرة التأثير على البنوك التجارية بالإقناع الأدبي في التصرف بالاتجاه المراد الحصول عليه، ويعبر عن أسلوب الإقناع الأدبي بأنه محاولة إعطاء تعليمات وإرشادات من طرف البنك المركزي بأسلوب أدبي بخصوص منح الائتمان و التوسع فيه من طرف البنوك حسب الاستعمالات المختلفة.
 
سياسة الحد الأقصى لسعر الفائدة: وتعتبر سياسة الحد الأقصى لسعر الفائدة بفرض البنك المركزي حد أقصى لسعر الفائدة الممنوح من طرف البنوك التجارية لا يمكن تجاوزه، حيث أنها تكون منخفضة في حالة محاربة التضخم للحد من إمكانية التوسع النقدي.

الخاتمة:
ان ظاهرة التضخم النقدي تؤدي الى ارتفاع الاسعار و انخفاض القدرة الشرائية للنقود، فهي تمس الدول المتقدمة  و الدول الغير متقدمة، خلال فترات مختلفة و بنسب مختلفة على المدى الطويل أو على المدى القصير، و رغم كثرة النظريات التي درست هذه الظاهرة الا انها لم تصل الى الحل الامثل لمعالجتها، بل تبقى مجرد نظريات صالحة في اوقات معينة و اقتصاديات معينة، و لكي تجد الدولة حلول ناجعة عليها ان تقيم اقتصادها جيدا من خلال آلياتها الخاصة و تراقب الكتلة النقدية المطروحة في الاقتصاد بحيث تكون متوازنة مع الناتج القومي السنوي و الاحتياطات من العملة الصعبة و الذهب.
المراجع:
. د. أحمد سيد مصطفى ،تحديات العولمة والتخطيط الإستراتيجي، مطبوعات جامعة الزقازيق. الطبعة الربعة 2002-2003

د. ممدوح محمود منصور، العولمة (دراسة في المفهوم والدراسة والأبعاد)، الدار الجامعية الإسكندرية 2003.
Share To:

ecomedfot salellite

Post A Comment:

0 comments so far,add yours